![]() |
إعداد : كمال غزال |
في ركن غامض من التاريخ الآسيوي، تظهر لنا شخصية مثيرة للدهشة والفضول: "بوديدارما"، الرجل الذي لم يؤسس فقط مذهب الزن في البوذية، بل ارتبط اسمه أيضاً بإحدى أغرب وأعمق الأساطير التي تحيط بالموت والبعث ، هل يُعقل أن يكون هذا الرجل قد عاد فعلاً من الموت ؟ أم أن قصته تحمل رموزاً روحية أعمق مما نتصور ؟
الأسطورة التي لا تُنسى: القبر الفارغ
تروي الأساطير الصينية القديمة أن بوديدارما، بعد وفاته في القرن السادس الميلادي، دُفن وفقاً للتقاليد. ولكن بعد فترة قصيرة، زعم مسؤول حكومي أنه رآه يسير في أعالي الجبال، حافي القدمين، يحمل صندلاً واحداً في يده، بينما كانت نظراته مملوءة بحكمة غامضة.
تسبب هذا الادعاء في صدمة كبرى لأتباعه، الذين قرروا فتح قبره للتأكد من الأمر. وهنا كانت المفاجأة: القبر كان فارغاً تماماً، ما عدا صندلاً واحداً فقط ، الصندل الآخر الذي لم يكن في يد بوديدارما.
مشهد كهذا لا يُنسى. لكنه يطرح سؤالًا مقلقاً :
هل عاد بوديدارما فعلاً من الموت ؟ هل تجاوز حدود الجسد والروح ؟ أم أن في الأمر رمزية فلسفية وروحية؟
رمزية القيامة: بين الخلود والتنوير
في فكر الزن، لا يُنظر إلى الحياة والموت بالطريقة التي نعرفها. فالجسد مجرّد وعاء، والوعي هو الحقيقة الأبدية.
يرى البعض أن هذه الأسطورة ليست دليلاً على قيامة جسدية، بل تعبير رمزي عن أن الاستنارة الحقيقية لا تموت، وأن بوديدارما، بمعرفته وتأمله، استطاع أن يترك أثراً أبدياً يتجاوز موته الجسدي.
بينما يعتقد آخرون أنه ربما بلغ مرحلة روحية متقدمة مكّنته من ترك جسده بإرادته والعودة متى شاء وهي فكرة مألوفة في بعض المعتقدات البوذية القديمة.
من هو بوديدارما ؟ ولماذا هو مهم ؟
يُعتبر بوديدارما شخصية محورية في انتشار البوذية "التأملية" أو "الزن" من الهند إلى الصين، ثم إلى اليابان ، وُصف بأنه راهب غامض، قليل الكلام، ذا نظرات حادة وفكر عميق، عاش حياة الزهد والعزلة والتأمل في الكهوف والجبال، وكان تركيزه الأساسي على تجاوز الفكر، وبلوغ الإدراك المباشر للحقيقة.
ما هو مذهب الزن ؟
الزن (Zen) هو مذهب في البوذية يقوم على تركيز العقل والروح عبر التأمل الصامت والحدس الذاتي، بعيداً عن الطقوس أو حفظ النصوص ، لا يبحث أتباع الزن عن الخلاص في الكلمات، بل في السكينة الداخلية، في اللحظة الراهنة، في تجاوز التفكير اللفظي نحو إدراك صامت وشامل للوجود ، وقد ارتبط هذا المذهب لاحقاً بثقافات مختلفة، أبرزها ثقافة الساموراي في اليابان، الذين وجدوا فيه فلسفة تتوافق مع الانضباط، والشجاعة، والصمت في وجه الخوف والموت.
هل كانت معجزة أم رسالة روحية ؟
في النهاية، تبقى أسطورة بوديدارما لغزاً مفتوحاً، محمّلة بالدلالات والمعاني. سواء آمنّا بقيامته فعلياً أم اعتبرناها رمزية، فهي تذكّرنا بأن بعض الأرواح لا تُقبر، وأن هناك وعياً قادراً على تجاوز حدود الجسد، ليظل حاضراً في الفكر والوجدان.
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .