![]() |
إعداد : كمال غزال |
بين طيات التاريخ، وفي عمق الرمال المصرية، كُشف النقاب عن واحدة من أكثر الممارسات الغامضة التي عرفتها البشرية: سحر المحبة القسري ، في أحد أركان متحف اللوفر في باريس، تُعرض قطعة أثرية صغيرة الحجم لكنها عظيمة الدلالة؛ تمثال طيني لا يتجاوز طوله 9 سنتيمترات، عُثر عليه داخل إناء فخاري، وبجانبه لوح رصاصي مكتوب باليونانية يُعرف باسم ديفيكسيو defixio، أو "لوح اللعنة".
يعود هذا الاكتشاف إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، ويُعتقد أنه استُخدم في طقوس سحرية تهدف إلى ربط امرأة برجل مغرم بها، بطريقة تتعدّى حدود العاطفة إلى السلب التام للإرادة.
التمثال: رمز للخضوع والسيطرة
التمثال يُظهر امرأة راكعة، ويداها مقيدتان خلف ظهرها، وجسدها مثقوب بـ 13 إبرة برونزية. أما المواقع المستهدفة فهي دقيقة: الدماغ، العينان، الأذنان، الفم، البطن، اليدان، الأعضاء التناسلية، وأسفل القدمين. وكل طعنة تُرافقها تلاوة تعويذة، تُحمِّلها نية قوية: "حتى لا تتذكر أحداً سواي".
هذه الممارسات موثّقة في بردية سحرية شهيرة تُعرف باسم PGM IV، محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس، وتحتوي على تعليمات دقيقة لصنع تمثال من الشمع أو الطين وربطه بتعويذة كتبت على لوح من الرصاص، ثم دفنه قرب قبر من مات ميتة غير طبيعية، في أوقات غروب الشمس، وتحت أجواء مشحونة بالتعاويذ والأسماء الغامضة.
التعويذة: نداءٌ إلى أرواح العالم السفلي
اللوح الرصاصي المكتوب باليونانية يحتوي على نص طويل ومُخيف من تعاويذ سحر الربط. يبدأ بنداء للآلهة السفلية مثل بلوتو، بيرسيفوني، أنوبيس، وحتى أرواح الأطفال والنساء الذين ماتوا مبكراً. ويطلب من الأرواح:
"اجعلوها لا تأكل، لا تشرب، لا تنام، ولا تتقرّب من أي رجل غيري. اسحبوها بشعرها وأمعائها إليّ. اربطوها بي طوال حياتي، عاشقة، راغبة، خاضعة..."
هذه اللغة القوية، المشبعة بالغضب والهوس، تكشف طبيعة هذا النوع من السحر، الذي لا يسعى لخلق الحب، بل لفرضه قسرًا، بطريقة تمزج الرغبة بالهيمنة.
سحر المحبة والربط: ظاهرة عالمية
رغم الطابع البطلومي (الفرعوني-اليوناني) لهذا التمثال، فإن استخدام الدمى لأغراض السحر الاسود ليست حكراً على مصر القديمة. بل هو ممارسة انتشرت في حضارات عدة، بوسائل ومواد مختلفة :
- في الفودو الأفريقي والكاريبي، تُستخدم دمى تُغرز فيها إبر لربط أو إيذاء شخص معين.
- في اليابان، تُعرف دمية الوجوجي، التي تُستخدم في لعنات تُعلّق قرب الأشجار عند منتصف الليل.
- في أوروبا القرون الوسطى، كانت تُصنع دمى من الشمع تُذاب أمام النار لفرض الألم أو الحب على الضحية.
كل هذه الثقافات استخدمت ما يُعرف اليوم بـ دمى السحر (Poppets) كوسيلة رمزية لتوجيه القوة الخفية إلى شخص محدد، لأغراض متعددة: الحب، السيطرة، الانتقام، أو حتى الحماية أحياناً.
بين الأثر والمغزى
ما يجعل هذا التمثال الطيني فريداً ليس فقط صغر حجمه أو قِدمه، بل رسالته الصارخة عن الرغبة البشرية القديمة في السيطرة على الآخر تحت ستار الحب.
إنه تذكير بأن الحب حين يُنتزع بالقوة، يتحوّل إلى سحر أسود، وإلى تعويذة لعنات محفورة في طين الأرض ومغروسة بإبر الغيرة والهوس.
إقرأ أيضاً ...
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .