2 أبريل 2025

Textual description of firstImageUrl

من طهارة الجسد إلى لعنة الروح: رحلة الموت في عقيدة زرادشت

إعداد : كمال غزال

في عمق التاريخ، وقبل أن تظهر الأديان الإبراهيمية بقرون، تشكّلت واحدة من أقدم الرؤى حول الخير والشر، الطهارة والنجاسة، الحياة والموت. إنها الزرادشتية، ديانة فارسية قديمة نُسبت إلى زرادشت (أو زرثوشت) ، والتي قدّمت للعالم مفاهيم ثنائية لا تزال حاضرة حتى اليوم في الأديان والفكر الروحي، ومن بين أكثر طقوس الزرادشتية إثارة للدهشة والخوف... كانت طريقة التعامل مع الموتى.


الموت كنجاسة... وليس كنهاية
آمن الزرادشتيون أن الموت ليس مجرد انتقال من الحياة إلى العدم، بل هو لحظة حسّاسة تهدد التوازن بين الطهارة والفساد. فعندما يموت الإنسان، لا تعود جثته عنصراً منسجماً مع الطبيعة، بل مصدراص للنجاسة، وجاذباً لكيانات خفية تُعرف باسم دروج دِمانا (Druj Demana)، وهي روح الفساد والنجاسة التي تبحث عن الأجساد لتسكنها وتنشر عدواها في عالم الأحياء.

ولم تكن هذه مجرد أفكار رمزية، بل عقيدة عميقة أثرت في البنية الاجتماعية والدينية، فكان من المحرّم دفن الجثث في الأرض أو حرقها، خوفاً من تلويث العناصر الأربعة المقدسة: التراب، الماء، النار، والهواء.

الدخمة... برج الصمت والنقاء
وهكذا نشأت الدَخْمَة (Dakhma)، أو ما يعرف بـ"برج الصمت" — وهي هياكل حجرية مرتفعة تُبنى على تلال نائية، يوضع فيها الموتى مكشوفي الأجساد، لتقوم النسور بأكلهم، ثم تتولى الشمس والريح مهمة تطهير ما تبقى من العظام ، كان الهدف من هذه الطقوس أن يتم تفكيك الجسد دون تلويث الطبيعة، مع تسريع انتقال الروح إلى مصيرها.

لكن، وكما في كل المعتقدات القديمة ، ما لم يتم وفق الأصول... يصبح خطراً.

حين يتحوّل الجسد إلى بوابة
في حال تُرك الجسد دون طقوس، أو لم تُؤدَ عملية التطهير بشكل صحيح، يُعتقد أنه لا يتحلل فقط... بل يتحوّل.

يتحوّل إلى بوابة.

بوابة لعبور كائنات أخرى... الديفات (Daevas)، وهي أرواح مظلمة وشياطين في الميثولوجيا الزرادشتية. تمثل هذه الكائنات كل الصفات التي تحاربها الزرادشتية: الكذب، الحسد، الغضب، الظلم، الفوضى.

الديفات لا تعمل من تلقاء نفسها. فهي جزء من جيش يتبع أنغرا ماينيو (Angra Mainyu)، المعروف أيضاً بـ أهريمان، وهو روح الشر المطلق، ونقيض الإله الطيب أهورا مزدا، خالق النور والنظام.

في هذا الصراع الكوني، يسعى أنغرا ماينيو إلى اختراق عالم الأحياء عبر الأجساد التي لم تُطهّر، ليعيدها مشوّهة، ملبوسة، تحمل في داخلها شيئاً من العالم السفلي.

الأبراج التي نسيها الزمن…
في الأساطير الشعبية، تروى قصص عن أبراج مهجورة، بقيت فيها جثث لم تكتمل طقوسها ويُقال إن النسور هجرتها، والشمس لم تعد تصلها كما في السابق وفي الليل، تظهر أطياف تتحرك بين الأحجار، وأصوات همس تنبعث من الرياح.

يؤمن البعض أن هذه الأماكن أصبحت نقاط اختراق بين العوالم وأن من يقترب منها، قد لا يعود كما كان. أو قد يعود... لكن محمّلاً بشيء ليس من هذا العالم.

خرافة ؟ أم حكمة منسية ؟
سواء كنت تنظر إلى هذه الطقوس والأساطير كخرافات قديمة، أو كبوابة لفهم رؤية قديمة للموت والنقاء، فإن ما تقدمه الزرادشتية من تصور عن الصراع بين الطهارة والنجاسة، والنور والظلام، لا يزال يشغل الخيال حتى اليوم.

ربما تكون الدَخْمَة مجرد بناء حجري...
وربما تكون، كما تقول الأساطير، بوابة تنتظر أن تُفتح من جديد.



إقرأ أيضاً ...

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .

 
2019 Paranormal Arabia جميع الحقوق محفوظة لـ